كتب : أحمد البرج
تعتبر القضية الكردية في سوريا واحدة من أكبر الملفات تعقيداً في المشهد السوري المعاصر. ومع تصاعد الأحداث منذ عام 2011، برز تساؤل جوهري على الساحة الدولية والإقليمية: ماذا يريد الأكراد في سوريا؟ هل يسعى الأكراد إلى الانفصال، أم أن طموحاتهم تقتصر على الحقوق الثقافية والإدارة الذاتية ضمن الدولة السورية؟
في هذا المقال، سنقوم بتحليل أهداف الأكراد في سوريا، واستعراض مفهوم الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، ومعرفة موقفهم من وحدة الأراضي السورية.
أهداف الأكراد في سوريا: الحقوق المشروعة والمشروع السياسي
عند الحديث عن مطالب الأكراد السوريين، نجد أن الحركة السياسية الكردية، المتمثلة بشكل أساسي في "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد) والقوى المرتبطة به، تؤكد على عدة نقاط محورية تشكل جوهر رؤيتهم لمستقبل سوريا.
1. الاعتراف الدستوري بالهوية الكردية
أول وأهم ما يريده الأكراد هو الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي كقومية ثانية رئيسية في البلاد. يطالب الأكراد بإلغاء التمييز القائم على العرق وتغيير اسم "الجمهورية العربية السورية" إلى "الجمهورية السورية"، لضمان شمولية الدولة لجميع المكونات.
2. اللامركزية السياسية والإدارية
تعتبر اللامركزية في سوريا هي الحل الأمثل من وجهة النظر الكردية لمنع عودة الاستبداد. يطمح الأكراد إلى نظام حكم "اتحادي ديمقراطي" (فدرالي) يمنح المناطق صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها الاقتصادية والتعليمية والأمنية، مع بقاء السيادة الخارجية والدفاع للمركز.
الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا: نموذج للحكم أم مشروع انفصال؟
منذ تأسيسها، أثارت الإدارة الذاتية الكردية جدلاً واسعاً. يراها الأكراد نموذجاً ديمقراطياً لإدارة التنوع، بينما يراها البعض تهديداً لوحدة البلاد.
واقع الإدارة الذاتية اليوم
تسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على مناطق واسعة شرق الفرات، الغنية بالنفط والقمح. تهدف هذه الإدارة إلى:
* تثبيت نظام تعليمي باللغة الكردية إلى جانب العربية.
* إدارة الموارد الطبيعية بشكل محلي لدعم التنمية في المنطقة.
* تطبيق "العقد الاجتماعي" الذي يعتبرونه بمثابة دستور محلي ينظم العلاقة بين المكونات (كرد، عرب، سريان).
هل يسعى الأكراد للانفصال عن سوريا؟
تصدرت عبارة "انفصال الأكراد في سوريا" محركات البحث مراراً، إلا أن القيادات الكردية الحالية تؤكد في محافل دولية عديدة أنها لا تسعى لتشكيل دولة مستقلة، بل تطالب بـ "سوريا موحدة ديمقراطية لا مركزية". العائق الأكبر يكمن في غياب التوافق مع الحكومة السورية في دمشق حول شكل هذه اللامركزية.
خريطة مناطق سيطرة الأكراد في سوريا وتأثيرها الجيوسياسي
تعتبر خريطة نفوذ قسد في شمال شرق سوريا نقطة ارتكاز في أي مفاوضات سياسية. السيطرة على حقول النفط في دير الزور والحسكة تمنح الأكراد ورقة ضغط قوية.
العلاقات مع القوى الدولية (أمريكا وروسيا)
يريد الأكراد في سوريا ضمانات دولية لحمايتهم من التهديدات العسكرية، خاصة التهديدات التركية المستمرة. تعتبر العلاقة بين قسد والولايات المتحدة استراتيجية في إطار محاربة تنظيم داعش، لكن الأكراد يبحثون عن تحويل هذا التعاون العسكري إلى اعتراف سياسي دائم بكيانهم الإداري.
مستقبل الأكراد في سوريا: السيناريوهات المتوقعة
عند البحث عن مستقبل شرق الفرات، نجد أنفسنا أمام مسارات متعددة تعتمد على التوافقات الدولية (الروسية - الأمريكية - التركية).
* سيناريو التوافق مع دمشق: الوصول إلى اتفاق يمنح الأكراد حكماً ذاتياً ثقافياً وإدارياً مقابل عودة سيادة الدولة على الحدود والموارد.
* سيناريو الصدام العسكري: وهو ما تسعى الأطراف الدولية لتجنبه، خاصة مع وجود تداخلات إقليمية معقدة.
* سيناريو الوضع الراهن (Frozen Conflict): استمرار الإدارة الذاتية كأمر واقع دون اعتراف قانوني دولي أو محلي لفترة طويلة.
الأسئلة الشائعة حول القضية الكردية في سوريا
س: هل يطالب الأكراد بدولة مستقلة في سوريا؟
ج: رسمياً، تطالب القوى الكردية الرئيسية بـ "الفدرالية" ضمن سوريا موحدة، وليس الانفصال التام.
س: ما هي أهم المدن الكردية في سوريا؟
ج: تعتبر القامشلي (Qamishlo)، كوباني (عين العرب)، وعفرين (قبل السيطرة التركية عليها) من أبرز الحواضر الكردية.
ملخص تطلعات الشعب الكردي في سوريا
في الختام، ما يريده الأكراد في سوريا يمكن تلخيصه في ثلاث كلمات: الاعتراف، الشراكة، واللامركزية. إنهم يسعون لترسيخ وجودهم كمكون أصيل لا يمكن تجاوزه في أي حل سياسي مستقبلي، مع الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية واللغوية التي حُرموا منها لعقود.


.jpg)

.png)
